الشيخ أحمد فريد المزيدي

145

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

في قوله تعالى : لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ الكهف : 7 ] قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : حسن العمل اتخاذ ذلك وعدم الاشتغال به « 1 » . قال الجنيد : إن إبليس لم ينل مشاهدته في طاعته ، وآدم لم يفقد مشاهدته في معصيته « 2 » . قيل لأبي القاسم الجنيد قدّس اللّه روحه : إن أبا يزيد يسرف في الكلام . قال : وما بلغكم عن إسرافه في كلامه ؟ قيل يقول : « سبحاني سبحاني ما أعظم شاني » . فقال الجنيد : إن الرجل مستهلك في شهود الإجلال ، فنطق بما استهلكه ؛ لذهوله في الحق عن رؤيته إيّاه ، فلم يشهد إلا الحق تعالى ، فنعته ، فنطق به ، ولم يكن من علم ما سواه ولا من التعبير عنه ضنّا من الحق به ، ألم تسمعوا مجنون بني عامر لما سئل عن اسم نفسه ؟ فقال : ليلى ، فنطق بنفسه ، ولم يكن من شهوده إيّاه فيه ، وقيل له : من أنت ؟ قال : أنا من ليلى ومن ليلى أنا « 3 » ! قيل للجنيد : هل عاينت أو شاهدت ؟ قال : لو عاينت تزندقت ، ولو شاهدت تحيّرت ، ولكن حيرة في تيه ، وتيه في حيرة « 4 » . دخل إبليس على الجنيد في صورة نقيب ، وقال : أريد أن أخدمك بلا أجرة . فقال له الجنيد : افعل . فأقام يخدمه عشر سنين ، فلم يجد قلبه غافلا عن ربّه لحظة واحدة ، فطلب الانصراف ، وقال له : أنا إبليس . فقال : عرفتك من أوّل ما دخلت ، وإنما استخدمتك

--> ( 1 ) قال الآلوسي : فيجعل ذلك مرآة لمشاهدة أنوار جلاله وجماله سبحانه عز وجلّ . وقال ابن عطاء : حسن العمل الاعتراض عن الكل . وقال بعضهم : أهل المعرفة باللّه تعالى والمحبة له هم زينة الأرض ، وحسن العمل النظر إليهم بالحرمة . وانظر : روح المعاني ( 15 / 258 ) . ( 2 ) انظر : التعرف ( ص 156 ) . ( 3 ) انظر : روضة الحبور ( 79 ) ، بتحقيقنا . ( 4 ) انظر : الحلية ( 10 / 274 ) .